الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

87

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

القول وهو عذاب القتل المهين بأيدي المسلمين يوم بدر ، قال تعالى : يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ [ التوبة : 14 ] وكان العذاب قد تأخر عنهم زمنا اقتضته حكمة اللّه ، بين اللّه لرسوله في هذه الآية سبب تأخر العذاب عنهم حين قالوا ما قالوا ، وأيقظ النفوس إلى حلوله بهم وهم لا يشعرون . فقوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ كناية عن استحقاقهم ، وإعلام بكرامة رسوله صلى اللّه عليه وسلم عنده ، لأنه جعل وجوده بين ظهراني المشركين مع استحقاقهم العقاب سببا في تأخير العذاب عنهم ، وهذه مكرمة أكرم اللّه بها نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلم فجعل وجوده في مكان مانعا من نزول العذاب على أهله ، فهذه الآية إخبار عما قدره اللّه فيما مضى . وقال ابن عطية قالت فرقه نزلت هذه الآية كلها بمكة ، وقال ابن أبزى نزل قوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ بمكة إثر قولهم : أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ، ونزل قوله : وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ عند خروج النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة وقد بقي بمكة مؤمنون يستغفرون ، ونزل قوله : وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ [ الأنفال : 34 ] بعد بدر . وفي توجيه الخطاب بهذا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، واجتلاب ضمير خطابه بقوله : وَأَنْتَ فِيهِمْ لطيفة من التكرمة إذ لم يقل : وما كان اللّه ليعذبهم وفيهم رسوله ، كما قال : وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [ آل عمران : 101 ] . وأما قوله : وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ فقد أشكل على المفسرين نظمها ، وحمل ذلك بعضهم على تفكيك الضمائر فجعل ضمائر الغيبة من لِيُعَذِّبَهُمْ ، و فِيهِمْ و مُعَذِّبَهُمْ للمشركين ، وجعل ضمير وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ للمسلمين ، فيكون عائدا إلى مفهوم من الكلام يدل عليه يَسْتَغْفِرُونَ فإنه لا يستغفر اللّه إلّا المسلمون وعلى تأويل الإسناد فإنه إسناد الاستغفار لمن حل بينهم من المسلمين ، بناء على أن المشركين لا يستغفرون اللّه من الشرك . فالذي يظهر أنها جملة معترضة انتهزت بها فرصة التهديد بتعقيبه بترغيب على عادة القرآن في تعقيب الوعيد بالوعد ، فبعد أن هدد المشركين بالعذاب ذكرهم بالتوبة من الشرك بطلب المغفرة من ربهم بأن يؤمنوا بأنه واحد ، ويصدقوا رسوله ، فهو وعد بأن التوبة من الشرك تدفع عنهم العذاب وتكون لهم أمنا وذلك هو المراد بالاستغفار ، إذ من البين أن ليس المراد ب يَسْتَغْفِرُونَ أنهم يقولون : غفرانك اللهم ونحوه ، إذ لا عبرة بالاستغفار بالقول والعمل يخالفه فيكون قوله : وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ تحريضا وذلك